أحمد بن محمد المقري التلمساني
341
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
قال : وكان السبب في قتلهم أنه خاف من يصل لنجدتهم وشاهد من كثرتهم ما هاله ، فشرع في القتل لعنه اللّه تعالى ، حتى قتل منهم نيفا على ستة آلاف قتيل ، ثم نادى الملك بتأمين من بقي وأمر أن يخرجوا فازدحموا في الباب إلى أن مات منهم خلق عظيم ، ونزلوا من الأسوار في الحبال للخشية من الازدحام في الأبواب ومبادرة إلى شرب الماء ، وكان قد تحيز في وسط المدينة قدر سبعمائة نفس من الوجوه وحاروا في نفوسهم ، وانتظروا ما ينزل بهم ، فلما خلت ممن أسر وقتل وأخرج من الأبواب والأسوار ، وهلك في الزحمة « 1 » نودي في تلك البقية بأن يبادر كل منهم إلى داره بأهله ، وله الأمان ، وأرهقوا وأزعجوا ، فلما حصل كل واحد [ منهم ] « 2 » بمن معه من أهله في منزله اقتسمهم الإفرنج لعنهم اللّه تعالى بأمر الملك ، وأخذ كل واحد [ منهم ] « 3 » دارا بمن فيها من أهلها ، نعوذ بالله تعالى . وكان من أهل المدينة جماعة قد عاذوا « 4 » برءوس الجبال ، وتحصنوا بمواضع منيعة ، وكادوا يهلكون من العطش ، فأمنهم الملك على نفوسهم ، وبرزوا في صور الهلكى من العطش ، فأطلق سبيلهم ، فبينما هم في الطريق إذا لقيتهم خيل الكفر ممن لم يشهد الحادثة ، فقتلوهم إلا القليل ممن نجا بأجله . [ ذكر بعض فظائع الإفرنج التي كانوا يعملونها حين يستولون على البلاد ] قال : وكان الفرنج لعنهم اللّه تعالى ، لما استولوا على أهل المدينة يفتضّون البكر بحضرة أبيها ، والثيب « 5 » بعين زوجها وأهلها ، وجرى من هذه الأحوال ما لم يشهد المسلمون مثلة قط فيما مضى من الزمان ، ومن لم يرض منهم أن يفعل ذلك في خادم أو ذات مهنة أو وخش « 6 » أعطاهن خوله وغلمانه يعيثون « 7 » فيهن عيثة ، وبلغ الكفرة منهم يومئذ ما لا تلحقه الصفة على الحقيقة ، ولما عزم ملك الروم على القفول إلى بلده تخير من بنات المسلمين الجواري الأبكار والثيبات ذوات الجمال ، ومن صبيانهم الحسان ألوفا عدة حملهم معه ليهديهم إلى من فوقه ، وترك من رابطة خيله ببر بشتر ألفا وخمسمائة ، ومن الرجالة ألفين . انتهى . قال ابن حيان : وأختم هذه الأخبار الموقظة لقلوب أولي الألباب بنادرة منها يكتفى باعتبارها عما سواها ، وهي أن بعض تجار اليهود جاء برّ بشتر بعد الحادثة ملتمسا فدية بنات
--> ( 1 ) الزحمة : الزحام . ( 2 ) ما بين حاصرتين غير موجود في ب ، ه في الموضعين . ( 4 ) عاذوا بها : لجؤوا إليها وتحصنوا بها . ( 5 ) الثيب : هنا المرأة المتزوجة . ( 3 ) الوخش - بالخاء والشين المعجمتين - الواحد من رذائل الناس وصغارهم . ( 6 ) الوخش - بالخاء والشين المعجمتين - الواحد من رذائل الناس وصغارهم . ( 7 ) الخول : العبيد والخدم . ويعيثون : يفسدون .